كتب - محمد بكري
مع دخول الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران
أسبوعها السادس (منذ 28 فبراير 2026)، يلوح في الأفق احتمال قائم يتمثل في: انتهاء
القتال دون "حسم" استراتيجي لأي من الطرفين.
هذا السيناريو، الذي يبدو الأكثر ترجيحًا وفق
تحليلات استخباراتية وعسكرية متعددة، يحمل تداعيات متباينة على جميع الأطراف.
يخلص هذا التقرير إلى أن إيران قد تخرج من الحرب
أكثر تصميماً على امتلاك السلاح النووي، بينما تواجه إسرائيل أزمة مصداقية في
"سياسة الردع" التي بنت عليها عقيدتها الأمنية لعقود.
أما الدول العربية، فستجد نفسها أمام معادلة
جديدة: إيران أضعف عسكرياً ولكن ربما أكثر خطورة على المدى الطويل.
ما المقصود بـ"انتهاء الحرب قبل أن
تُحسم"؟
يشير هذا السيناريو إلى وقف لإطلاق النار أو
هدنة متفق عليها (أو مفروضة) قبل تحقيق أي من الطرفين أهدافهما المعلنة بالكامل.
يتبنى هذا السيناريو
كون الحملة العسكرية المشتركة للولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران
"لم تُصمم لإحداث انهيار فوري للنظام، بل لخلق نفوذ مستدام يُقيّد خيارات
إيران بعد انتهاء العمليات القتالية الكبرى".
بمعنى آخر، الحرب الحالية هي حرب "إضعاف
وإرهاق"، وليست حرب "إزالة وتدمير".
وهذا يفسر لماذا، بعد خمسة أسابيع من القتال، لا
يزال النظام الإيراني قائماً، وقواته الأمنية متماسكة، وقدرته على الرد موجودة رغم
الضعف.
لماذا من المرجح ألا تُحسم الحرب؟
توجد عدة عوامل تجعل السيناريو "غير
المحسوم" هو الأكثر ترجيحاً:
فبينما الرأي العام الأمريكي لا
يدعم احتلالاً برياً آخر في الشرق الأوسط بعد تجربتي العراق وأفغانستان، تفتقر إسرائيل إلى القدرة على إزالة النظام
الإيراني دون تورط أمريكي طويل الأمد وتصعيد إقليمي كبير.
وعلى الجانب الإيراني، أظهرت إيران قدرة على
استيعاب الضربات، مع وجود شبكة من المنشآت المبعثرة والمحصنة يصعب السيطرة عليها
بشكل كامل حتى بعد كل ما تلقته من ضربات جوية.
إيران بعد الحرب – أضعف أم أخطر؟
وفقاً لتصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين
نتنياهو في 19 مارس 2026، فإن إيران "فقدت قدرتها على تخصيب اليورانيوم وعلى
إنتاج الصواريخ الباليستية". وتشير تقارير
استخباراتية إلى أن الضربات استهدفت:
- المنشآت النووية: في فوردو،
نطنز، أصفهان، وكرج
- قدرات الصواريخ والمسيّرات: منصات
إطلاق، مستودعات، ومرافق إنتاج
- الدفاعات الجوية: تحييد
معظم أنظمة الدفاع الجوي في غرب إيران
- القيادة: مقتل
المرشد الأعلى علي خامنئي وعدد من كبار قادة الحرس الثوري وقادة الجيش،
ويزداد عددهم كل يوم مع المزيد من الضربات.
لكن الصورة ليست أحادية الجانب.
حيث تشير تقارير
استخباراتية أمريكية إلى أن إيران لا تزال تمتلك قدرات كبيرة:
- الصواريخ الباليستية: لا يزال
لدى إيران "عدد كبير من الصواريخ والقاذفات المتنقلة"، وفقاً
لصحيفة نيويورك تايمز نقلاً عن تقارير استخباراتية
- إعادة البناء السريعة: طواقم
إيران قادرة على إصلاح منصات الإطلاق والقاذفات خلال ساعات من تعرضها للضرب
- الخداع الاستراتيجي: نشر
قاذفات وهمية يصعّب على الاستخبارات الأمريكية تحديد ما تبقى من قدرات حقيقية
- الملاذات المحصنة: نقل القاذفات
إلى مخابئ وكهوف لحمايتها من الضربات المستقبلية
المفارقة الكبرى: الهجوم يدفع إيران نحو السلاح
النووي
هذا هو أعمق تناقض في الحرب الحالية، فوفقاً
لتحليل نشره موقع The Wire، نقلاً عن خبراء أمنيين
غربيين، فإن "الحملة القصفية المستمرة لمدة خمسة أسابيع من قبل الولايات
المتحدة وإسرائيل ضد إيران، والتي تهدف إلى إخماد برنامجها النووي، يبدو أنها
أحدثت التأثير المعاكس".
فقبل الحرب: كانت إيران "على
العتبة" – تملك القدرة على صنع القنبلة لكنها امتنعت عن تجاوز الخط النهائي
أما بعد الحرب: أصبح امتلاك السلاح النووي
"ضرورة وجودية" لضمان بقاء النظام
كما يقول المحللون: "الضعف يجلب الهجوم،
والقدرة النووية فقط هي التي تمنعه".
إيران تنظر إلى كوريا الشمالية – التي نجت من
الضغوط الأمريكية لعقود بفضل ترسانتها النووية – كنموذج يحتذى.
كما لا تزال إيران تمتلك 400-450 كيلوغراماً من
اليورانيوم المخصب بنسبة 60%، وهي خطوة تقنية قصيرة عن مستوى 90% المطلوب للأسلحة
جزء كبير من هذه المواد موجود في منشآت تحت
الأرض وفي أنفاق جبلية، صُممت لتحمل القنابل "الخارقة للتحصينات"
نقاشات داخل إيران حول الانسحاب من معاهدة عدم
انتشار الأسلحة النووية (NPT)، مما سيرفع آخر عقبة
قانونية أمام التسلح النووي العلني
الخلاصة أن إيران بعد الحرب ستكون أضعف عسكرياً ولكن أكثر خطورة استراتيجياً، لأنها ستكون مدفوعة بمنطق البقاء نحو حيازة السلاح النووي.
إسرائيل – خسارة "سياسة
الردع"
تقوم العقيدة الأمنية الإسرائيلية، منذ صياغتها
على يد دافيد بن غوريون، على ثلاثة ركائز: "الإنذار المبكر، الردع، والنصر
الحاسم". وكان الردع
يعني قدرة إسرائيل على إقناع أعدائها بأن ثمن أي هجوم عليها سيكون باهظاً لدرجة
تمنعهم حتى من التفكير فيه.
لكن فشل الردع تجلى في 7 أكتوبر 2023، عندما
هاجمت حماس رغم التفوق العسكري الإسرائيلي.
ومنذ
ذلك الحين، تبنت إسرائيل عقيدة جديدة: "السلام عبر
القوة" – الانتقال من الردع السلبي إلى الضرب الاستباقي
ضد قدرات العدو قبل أن تنضج.
مكاسب الحرب من
منظور إسرائيلي
من وجهة نظر المؤسسة الأمنية الإسرائيلية، تحققت
إنجازات استراتيجية كبرى:
- تأخير قدرة
إيران على صنع قنبلة نووية "لسنوات
- تمهيد المجال لسلاح الجو الإسرائيلي للعمل فوق
الأراضي الإيرانية لأول مرة في التاريخ
- مقتل خامنئي وكبار قادة فيلق القدس
- تحول إسرائيل من شريك تابع إلى "رأس
حربة" إقليمي متساوٍ في غرفة العمليات المشتركة
الإشكاليات التي تواجه "النصر غير الحاسم"
لكن إذا توقفت الحرب الآن، فستواجه إسرائيل عدة
مشاكل:
أولاً: إعادة تعريف "النصر"
إذا
كانت الحرب تهدف إلى "القضاء على التهديد الإيراني"، فمن الواضح أن هذا
الهدف لم يتحقق. وإذا كانت تهدف إلى "تأخير" البرنامج النووي فقط،
فالسؤال: لأي مدى؟ بعض التقديرات تشير إلى أن إيران قد تعيد بناء برنامجها خلال
سنوات قليلة.
ثانياً: رسالة الردع إلى أطراف أخرى
ماذا
سيفهم "حزب الله" و"الحوثيون" من نهاية غير حاسمة للحرب مع
إيران؟ إذا استطاع النظام الإيراني البقاء رغم كل الضربات، فقد يُقرأ ذلك كنوع من
"المناعة" وليس الهزيمة. وهذا يضعف الردع الإسرائيلي على جبهات أخرى.
ثالثاً: التعبئة الداخلية الإيرانية
بدلاً
من إضعاف النظام، قد تكون الحرب قد عززت "تأثير التجمع حول العلم" (rally-around-the-flag) في إيران. مقتل
قادة كبار ومدنيين يخلق إرادة للصمود والانتقام، وليس للاستسلام.
رابعاً: الاحتجاجات الداخلية في إسرائيل
في
4 أبريل 2026، تظاهر مئات الإسرائيليين في تل أبيب للمطالبة بإنهاء الحرب، حاملين
لافتات "لا تقصف – تحدث! أنهِ الحرب التي لا تنتهي".
محتجون
عبروا عن شكوكهم في مبررات الحرب، معتبرين أنها "تتغير باستمرار". هذه الأصوات، وإن كانت محدودة حالياً، قد تكبر
إذا طال أمد الحرب أو إذا بدت وكأنها بلا نهاية استراتيجية واضحة.
الخلاصة أن إسرائيل
لم تخسر "سياسة الردع" كلياً، لكنها تخاطر بتحويلها من مفهوم رادع إلى
سباق تسلح مفتوح. ما كان يُسوّق كـ"نصر حاسم" قد يتحول إلى "وقف
إطلاق نار هش"، وهو ما تفهمه أطراف إقليمية أخرى كدليل على محدودية القوة
الإسرائيلية وليس لامحدوديتها.
الدول العربية – بقاء النظام الإيراني
يعني بقاء التهديد؟
منذ اندلاع الحرب، لم تكن الدول العربية بمنأى
عن التداعيات التي تتمثل في:
- اعتراض صواريخ ومسيّرات: سقطت
شظايا صواريخ اعترضت فوق السعودية والإمارات والبحرين، مما تسبب بإصابات
وأضرار مادية
- استهداف البنى التحتية: ضربات
إيرانية أو أمريكية-إسرائيلية استهدفت منشآت قريبة من الحدود مع العراق
- الخطر الإشعاعي: تحذيرات
إيرانية من أن استمرار استهداف بوشهر قد يؤدي إلى "تسرب إشعاعي ينهي
الحياة في عواصم الخليج"
بقاء النظام الإيراني =
بقاء التهديد
الجواب المباشر: نعم، بقاء
النظام الإيراني يعني بقاء التهديد، لأن طبيعة النظام الأيديولوجي
القائم على تصدير الثورة وامتلاك شبكة وكلاء لم تتغير.
لكن هناك ثلاث ملاحظات مهمة:
أولاً: إيران أضعف، لكن وكلاءها ما زالوا
موجودين
وفقاً
لتحليل الخبراء والمحللين العسكريين، تعتبر شبكة الوكلاء "الورقة الأكثر أهمية" في
الاستراتيجية الإيرانية، وهي "غير قابلة للمساومة" في أي مفاوضات. كما يقول ريتشارد وايتز من معهد هدسون:
"هذه الجماعات تشكل أحد أدوات الردع الأساسية التي تعتقد إيران أنها تمتلكها
ضد أمريكا وإسرائيل… لن يتخلوا عنها من خلال المفاوضات".
ثانياً: إيران أضعف = قد تكون أكثر استعداداً
للتفاوض
من
المفارقات أن تدمير القدرات العسكرية الإيرانية قد يدفع طهران إلى القبول بحدود
لبرنامجها النووي – وهو ما كانت ترفضه سابقاً. بعض السيناريوهات تشير إلى
"قبول مقيد تحت الضغط" على غرار نموذج الخطة الشاملة المشتركة (JCPOA) ولكن بشروط أكثر صرامة.
ثالثاً: الصمت العربي هل هو توافق أم حيرة؟
لاحظ
المحللون أن ردود الفعل العربية الرسمية تجاه الحرب كانت محدودة أو غائبة. هذا
يعكس تحولاً استراتيجياً عميقاً: النظام العربي
لم يعد يرى إيران كعدو أول، بقدر ما يراه تهديداً يمكن احتواؤه أو التفاوض معه، خاصة مع
تصاعد الخطر الإيراني المباشر على الملاحة في الخليج واستهداف المنشآت الحيوية.
الخلاصة بقاء
النظام الإيراني يعني استمرار التهديد، لكن بدرجة أقل من القوة. الدول العربية قد
تجد نفسها أمام "إيران مقيدة" أكثر من "إيران منتصرة"، وهذا
قد يفتح مجالاً للتفاوض الإقليمي، لكنه لن يزيل الخطر الاستراتيجي تماماً.
النتائج الرئيسية
1. الطرف الأكثر تضرراً من حرب غير محسومة هو إسرائيل، من حيث تآكل
الردع ورسالة محدودية القوة التي تُرسلها إلى أعدائها. ولكن الأكثر خطورة هو العالم العربي، الذي سيبقى
تحت تهديد إيراني (وإن أضعف) دون أن يتحقق "نصر حاسم" يغير المعادلة.
2. بقاء النظام الإيراني لا يعني بقاء التهديد بنفس القوة، لكنه يعني
بقاء التهديد بشكل مختلف: أقل عسكرية، وأكثر استخباراتية ووكيلة. الشبكة الإقليمية
للحرس الثوري لم تُفكك بعد.
3. إسرائيل لم تخسر "سياسة الردع" كلياً، لكنها دخلت
مرحلة جديدة: الردع لم يعد قائماً على "الامتناع عن الهجوم" بل على
"القدرة على الرد بشكل مؤلم". هذا تحول نوعي قد لا يكون في صالح
الاستقرار طويل المدى.
4. أخطر ما في السيناريو "غير المحسوم" هو دفع إيران نحو التسلح النووي كضرورة وجودية. إذا حدث ذلك، فستكون
الحرب قد حققت عكس هدفها المعلن تماماً.







